فصل: تفسير الآية رقم (115)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 102‏]‏

‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏101‏)‏ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

انتقال إلى تشريع آخر بمناسبة ذكر السفر للخروج من سلطة الكفر، على عادة القرآن في تفنين أغراضه، والتماس مناسباتها‏.‏ والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها‏.‏ والضرب في الأرض‏:‏ السفر‏.‏

‏(‏وإذا‏)‏ مضمّنة معنى الشرط كما هو غالب استعمالها، فلذلك دخلت الفاء على الفعل الذي هو كجواب الشرط‏.‏ ‏(‏وإذا‏)‏ منصوبة بفعل الجواب‏.‏

وقصر الصلاة‏:‏ النقص منها، وقد عُلم أنّ أجزاء الصلاة هي الركعات بسجداتها وقراءاتها، فلا جرم أن يعلم أنّ القصر من الصلاة هو نقص الركعات، وقد بيّنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ صيّر الصلاة ذات الأربع الركعات ذات ركعتين‏.‏ وأجملت الآية فلم تعيّن الصلوات التي يعتريها القصر، فبيّنته السنّة بأنّها الظهر والعصر والعشاء‏.‏ ولم تقصر الصبح لأنّها تصير ركعة واحدة فتكون غير صلاة، ولم تقصر المغرب لئلاّ تصير شفعاً فإنّها وتر النهار، ولئلاّ تصير ركعة واحدة كما قلنا في الصبح‏.‏

وهذه الآية أشارت إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر، ويظهر من أسلوبها أنّها نزلت في ذلك، وقد قيل‏:‏ إنّ قصر الصلاة في السفر شُرع في سنة أربع من الهجرة وهو الأصحّ، وقيل‏:‏ في ربيع الآخر من سنة اثنتين، وقيل‏:‏ بعد الهجرة بأربعين يوماً‏.‏ وقد روى أهل الصحيح قول عائشة رضي الله عنها‏:‏ فُرِضت الصلاة ركعتين فأقِرّت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر، وهو حديث بيّن واضح‏.‏ ومحمل الآية على مقتضاه‏:‏ أنّ الله تعالى لمّا فرض الصلاة ركعتين فتقرّرت كذلك فلمّا صارت الظهر والعصر والعشاء أربعاً نسخ ما كان من عددها، وكان ذلك في مبدأ الهجرة، وإذ قد كان أمر الناس مقاماً على حالة الحضر وهي الغالب عليهم، بطل إيقاع الصلوات المذكورات ركعتين، فلمّا غزوا خفف الله عنهم فأذنهم أن يصلّوا تلك الصلوات ركعتين ركعتين، فلذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏فليس عليكم جناح‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏أن تقصروا من الصلاة‏}‏ وإنّما قالت عائشة «أقرت صلاة السفر» حيث لم تتغيّر عن الحالة الأولى، وهذا يدلّ على أنّهم لم يصلّوها تامّة في السفر بعد الهجرة، فلا تعارض بين قولها وبين الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏}‏ شرط دلّ على تخصيص الإذن بالقصر بحَال الخوف من تمكّن المشركين منهم وإبطالِهم عليهم صلاتهم، وأنّ الله أذن في القصر لتقع الصلاة عن اطمئنان، فالآية هذه خاصّة بقصر الصلاة عند الخوف، وهو القصر الذي له هيئة خاصّة في صلاة الجماعة، وهذا رأي مالك، يدلّ عليه ما أخرجه في «الموطأ»‏:‏ أنّ رجلاً من آل خالد بن أسِيد سأل عبد الله بن عُمر «إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر»، فقال ابن عمر‏:‏ «يابن أخي إنّ الله بعث إلينا محمداً ولا نعلم شيئاً فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل»، يعني أنّ ابن عمر أقرّ السائل وأشعره بأنّ صلاة السفر ثبتت بالسنّة، وكذلك كانت ترى عائشة وسعد بن أبي وقّاص أنّ هذه الآية خاصّة بالخوف، فكانا يكمّلان الصلاة في السفر‏.‏

وهذا التأويل هو البيّن في محمل هذه الآية، فيكون ثبوت القصر في السفر بدون الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنّة، وأحدهما أسبق من الآخر، كما قال ابن عمر‏.‏ وعن يعلى بن أمية أنّه قال‏:‏ قلت لعمر بن الخطاب‏:‏ إنّ الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏إن خفتم‏}‏ وقد أمِن الناس‏.‏ فقال‏:‏ عجبتُ ممّا عجبتَ منه فسألتُ رسول الله عن ذلك فقال ‏"‏ صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقَته ‏"‏‏.‏ ولا شكّ أنّ محمل هذا الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ عمرَ على فهمه تخصيصَ هذه الآية بالقصر لأجل الخوف، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقّة، وقوله‏:‏ له صدقة الخ، معناه أنّ القصر في السفر لغير الخوف صدقة من الله، أي تخفيف، وهو دون الرخصة فلا تردّوا رخصته، فلا حاجة إلى ما تَمَحّلوا به في تأويل القيد الذي في قوله‏:‏ ‏{‏إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏}‏ وتقتصر الآية على صلاة الخوف، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر مثل ابن عباس، وأبي حنيفة، ومحمد بن سحنون، وإسماعيل بن إسحاق من المالكية؛ والقائلون بتأكيد سنّة القصر مثل مالك بن أنس وعامّة أصحابه، عن تأويل قوله‏:‏ ‏{‏فليس عليكم جناح‏}‏ بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ‏.‏ ويكون قوله‏:‏ ‏{‏وإذا ضربتم في الأرض‏}‏ إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر لقصد التمهيد لقوله‏:‏ ‏{‏وإذا كنت فيهم‏}‏ الآيات‏.‏

أمّا قصر الصلاة في السفر فقد دلّت عليه السنّة الفعلية، واتَّبعه جمهور الصحابة إلاّ عائشة وسعدَ بن أبي وقاص، حتّى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث عائشة في «الموطأ» و«الصحيحين» لدلالته على أنّ صلاة السفر بقيت على فرضها، فلو صلاّها رباعية لكانت زيادة في الصلاة، ولقول عمر فيما رواه النسائي وابن ماجة‏:‏ صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصر‏.‏ وإنّما قال مالك بأنّه سنّة لأنّه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر إلاّ القصر، وكذلك الخلفاء من بعده‏.‏ وإنّما أتمّ عثمان بن عفّان الصلاة في الحج خشية أن يتوهّم الأعراب أنّ الصلوات كلّها ركعتان‏.‏ غير أنّ مالكاً لم يقل بوجوبه من أجل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فليس عليكم جناح‏}‏ لمنافاته لصيغ الوجوب‏.‏ ولقد أجاد محامل الأدلّة‏.‏

وأخْبِر عن الكافرين وهو جمع بقوله‏:‏ ‏{‏عَدُوّاً‏}‏ وهو مفرد‏.‏ وقد قدّمنا ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كان من قوم عدوَ لكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 92‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة‏}‏ هذه صفة صلاة الخوف في الجماعة لقوله‏:‏ ‏{‏فأقمت لهم الصلاة‏}‏‏.‏

واتّفق العلماء على أنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف‏.‏ وأكثر الآثار تدلّ على أنّ مشروعيتها كانت في غزوة ذات الرّقَاع بموضع يقال له‏:‏ نَخلة بين عسفان وضجنان من نجد، حين لقوا جموع غطفان‏:‏ محارب وأنمار وثعلبة‏.‏ وكانت بين سنة ستّ وسنة سبع من الهجرة، وأنّ أوّل صَلاة صلّيت بها هي صلاة العصر، وأنّ سببها أنّ المشركين لما رأوا حرص المسلمين على الصلاة قالوا‏:‏ هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غِرّة، فأنبأ الله بذلك نبيّه صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية‏.‏ غير أنّ الله تعالى صدّر حكم الصلاة بقوله‏:‏ ‏{‏وإذا كنت فيهم‏}‏ فاقتضى ببادئ الرأي أنّ صلاة الخوف لا تقع على هذه الصفة إلاّ إذا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي خصوصية لإقامته‏.‏ وبهذا قال إسماعيل بن عُلية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة في أحد أقواله، وعلّلوا الخصوصية بأنّها لِحرص الناس على فضل الجماعة مع الرسول، بخلاف غيره من الأيّمة، فيمكن أن تأتمّ كلّ طائفة بإمام‏.‏ وهذا قول ضعيف‏:‏ لمخالفته فعل الصحابة، ولأنّ مقصد شرع الجماعة هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان‏.‏ على أنّ أبا يوسف لا يرى دلالة مفهوم المخالفة فلا تدلّ الآية على الاختصاص بإمامة الرسول، ولذلك جزم جمهور العلماء بأنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبداً‏.‏ ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذٍ من ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم لغزواتهم وسراياهم إلاّ للضرورة، كما في الحديث ‏"‏ لولا أنّ قوماً لا يتخلّفون بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سريّة سارت في سبيل الله ‏"‏ فليس المراد الاحترازَ عن كون غيره فيهم ولكن التنويهَ بكون النبي فيهم‏.‏ وإذ قد كان الأمراء قائمين مقامه في الغزوات فالذي رخّص الله للملسمين معه يرخّصه لهم مع أمرائه، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏خذ من أموالهم صدقة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 103‏]‏‏.‏

وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنّه لمّا قال‏:‏ «فلتقم طائفة منهم معك» علم أنّ ثمة طائفة أخرى، فالضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وليأخذوا أسلحتهم‏}‏ للطائفة باعتبار أفرادها، وكذلك ضمير قوله‏:‏ ‏{‏فإذا سجدوا‏}‏ للطائفة التي مع النبي، لأن المعية معية الصلاة، وقد قال‏:‏ ‏{‏فإذا سجدو‏}‏‏.‏ وضمير قوله‏:‏ ‏{‏فليكونوا‏}‏ للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة، لظهور أنّ الجواب وهو ‏{‏فليكونوا من ورائكم‏}‏ متعيّن لفعل الطائفة المواجهة العدوّ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولتأت طائفة أخرى‏}‏ هذه هي المقابلة لقوله‏:‏ ‏{‏فلتقم طائفة منهم معك‏}‏‏.‏

وقد أجملت الآية ما تصنعه كلّ طائفة في بقية الصلاة‏.‏ ولكنّها أشارت إلى أنّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واحدة لأنّه قال‏:‏ ‏{‏فليصلوا معك‏}‏‏.‏ فجعلهم تابعين لصلاته، وذلك مؤذن بأنّ صلاته واحدة، ولو كان يصلّي بكل طائفة صلاة مستقلّة لقال تعالى فلتصلّ بهم‏.‏

وبهذا يبطل قول الحسن البصري‏:‏ بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ركعتين بكلّ طائفة، لأنّه يصير متمّا للصلاة غير مقصّر، أو يكون صلّى بإحدى الطائفتين الصلاة المفروضة وبالطائفة الثانية صلاة‏:‏ نافلة له، فريضة للمؤمنين، إلاّ أن يلتزم الحسن ذلك‏.‏ ويرى جواز ائتمام المفترض بالمتنفّل‏.‏ ويظهر أنّ ذلك الائتمام لا يصحّ، وإن لم يكن في السنّة دليل على بطلانه‏.‏

وذهب جمهور العلماء إلى أنّ الإمام يصلّي بكلّ طائفة ركعة، وإنّما اختلفوا في كيفية تقسيم الصلاة‏:‏ بالنسبة للمأمومين‏.‏ والقول الفصل في ذلك هو ما رواه مالك في «الموطأ»، عن سهل بن أبي حثمة‏:‏ إنه صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفّت طائفة معه وطائفة وِجاه العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم قام، وأتمّوا ركعة لأنفسهم، ثم انصرفوا فوقفوا وِجاه العدوّ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت له، ثم سلّم، ثم قضوا الركعة التي فاتتهم وسلُّموا وهذه الصفة أوفق بلفظ الآية، والروايات غيرُ هذه كثيرة‏.‏

والطائفة‏:‏ الجماعة من الناس ذات الكثرة‏.‏ والحقّ أنّها لا تطلق على الواحد والاثنين، وإن قال بذلك بعض المفسّرين من السلف‏.‏ وقد تزيد على الألف كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏على طائفتين مِن قبْلِنا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 156‏]‏‏.‏ وأصلها منقولة من طائفة الشيء وهي الجزء منه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم‏}‏ استُعمل الأخذ في حقيقته ومجازه‏:‏ لأنّ أخذ الحِذر مجاز، إذ حقيقة الأخذ التناول، وهو مجاز في التلبّس بالشيء والثبات عليه‏.‏ وأخذُ الأسلحة حقيقة، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تبوّأوا الدار والإيمانَ من قبلهم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏، فإنّ تَبَوّأ الإيماننِ الدخول فيه والاتّصافُ به بعد الخروج من الكفر‏.‏ وجاء بصيغة الأمر دون أن يقول‏:‏ ولا جناح عليكم أن تأخذوا أسلحتكم، لأنّ أخذ السلاح فيه مصلحة شرعية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ود الذين كفروا‏}‏ الخ، ودّهم هذا معروف إذ هو شأن كلّ محارب، فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية، إنّما المقصود أنّهم ودّوا ودّا مستقرباً عندهم، لظنّهم أنّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم جهلاً من المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلاً يكونوا عند ظنّ المشركين، وليعوّدهم بالأخذ بالحزم في كلّ الأمور، وليريهم أنّ صلاح الدين والدنيا صنوان‏.‏

والأسلحة جمع سلاح، وهو اسم جنس لآلة الحرب كلّها من الحديد، وهي السيف والرمح والنبل والحَرْبَة وليس الدرع ولا الخُوذَة ولا التُّرس بسلاح‏.‏ وهو يذكّر ويؤنث‏.‏ والتذكير أفصح، ولذلك جمعوه على أسلحة وهو من زِنات جمع المذكّر‏.‏

والأمتعة جمع متاع وهو كلّ ما ينتفع به من عروض وأثاث، ويدخل في ذلك ما له عون في الحرب كالسروج ولامة الحرب كالدروع والخُوذات‏.‏ ‏{‏فيميلون‏}‏ مفرّع عن قوله‏:‏ ‏{‏لو تغفلون‏}‏» الخ، وهو محلّ الودّ، أي ودّوا غفلتكم ليميلوا عليكم‏.‏

والميل‏:‏ العدول عن الوسط إلى الطرف، ويطلق على العدول عن شيء كان معه إلى شيء آخر، كما هنا، أي فيعدلون عن مُعسكرهم إلى جيشكم‏.‏ ولمّا كان المقصود من الميل هنا الكَرُّ والشدُّ، عُدّي ب ‏(‏على‏)‏، أي فيشدّون عليكم في حال غفلتكم‏.‏

وانتصب ‏(‏مَيلةً‏)‏ على المفعولية المطلقة لبيان العدد، أي شدّة مفردة‏.‏ واستعملت صيغة المرّة هنا كناية عن القوّة والشدّة، وذلك أنّ الفعل الشديد القويّ يأتي بالغرض منه سريعاً دون معاودة علاج، فلا يتكرّر الفعل لتحصيل الغرض، وأكّد معنى المرّة المستفاد من صيغة فعلة بقوله‏:‏ ‏{‏واحدة‏}‏ تنبيهاً على قصد معنى الكناية لئلاّ يتوهّم أنّ المصدر لمجرّد التأكيد لقوله‏:‏ ‏{‏فيميلون‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر‏}‏ الخ رخصة لهم في وضع الأسلحة عند المشقّة، وقد صار ما هو أكمل في أداء الصلاة رخصةً هنا، لأنّ الأمور بمقاصدها وما يحصل عنها من المصالح والمفاسد، ولذلك قيّد الرخصة مع أخذ الحذر‏.‏ وسبب الرخصة أنّ في المطر شاغلاً للفريقين كليهما، وأمّا المرض فموجب للرخصة لخصوص المريض‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً‏}‏ تذييل لتشجيع المسلمين؛ لأنّه لمّا كرّر الأمر بأخذ السلاح والحَذر، خيف أن تثور في نفوس المسلمين مخافة من العدوّ من شدّة التحذير منه، فعقّب ذلك بأنّ الله أعدّ لهم عذاباً مهيناً، وهو عذاب الهزيمة والقتل والأسر، كالذي في قوله‏:‏ ‏{‏قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 14‏]‏، فليس الأمر بأخذ الحذر والسلاح إلاّ لتحقيق أسباب ما أعدّ الله لهم، لأنّ الله إذا أراد أمراً هيَّأ أسبابه‏.‏ وفيه تعليم المسلمين أن يطلبوا المسبّبات من أسبابها، أي إن أخذتم حِذركم أمِنتم من عدوّكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏103‏]‏

‏{‏فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ‏(‏103‏)‏‏}‏

القضاء‏:‏ إتمام الشيء كقوله‏:‏ ‏{‏فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءهم أو أشدّ ذكراً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 200‏]‏‏.‏ والظاهر من قوله‏:‏ ‏{‏فإذا قضيتم الصلاة‏}‏ أنّ المراد من الذكر هنا النوافل، أو ذكر اللسان كالتسبيح والتحميد، ‏(‏فقد كانوا في الأمن يجلسون إلى أن يفرغوا من التسبيححِ ونحوه‏)‏، فرخّص لهم حين الخوف أن يذكروا الله على كلّ حال والمراد القيام والقعود والكون على الجنوب ما كان من ذلك في أحوال الحرب لا لأجل الاستراحة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة‏}‏ تفريع عن قوله‏:‏ ‏{‏وإذا ضربتم في الأرض فليس علكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 101‏]‏ إلى آخر الآية‏.‏ فالاطمئنان مراد به القفول من الغزو، لأنّ في الرجوع إلى الأوطان سكوناً من قلاقل السفر واضطراب البدن، فإطلاق الاطمئنان عليه يشبه أن يكون حقيقة، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم مناسبته هنا، وقد تقدّم القول في الاطمئنان عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن ليطمئنّ قلبي‏}‏ من سورة البقرة ‏(‏260‏)‏‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏فأقيموا الصلاة‏}‏ صلّوها تامّة ولا تقصروها، هذا قول مجاهد وقتادة، فيكون مقابل قوله‏:‏ ‏{‏فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 101‏]‏، وهو الموافق لما تقدّم من كون الوارد في القرآن هو حكم قصر الصلاة في حال الخوف، دون قصر السفر من غير خوف‏.‏ فالإقامة هنا الإتيان بالشيء قائماً أي تامّاً، على وجه التمثيل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأقيموا الوزن بالقسط‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 9‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أنْ أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏‏.‏ وهذا قول جمهور الأيّمة‏:‏ مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لاَ يؤدّي المجاهد الصلاة حتّى يزول الخَوف، لأنّه رأى مباشرة القتال فعلاً يفسد الصلاة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ضربتم في الأرض إلى قوله‏:‏ فإذا اطمأننتم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 101 103‏]‏ يرجْح قول الجمهور، لأنّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً‏}‏ مسوق مساق التعليل للحرص على أدائها في أوقاتها‏.‏

والموقوت‏:‏ المحدود بأوقات، والمنجّم عليها، وقد يستعمل بمعنى المفروض على طريق المجاز‏.‏ والأول أظهر هنا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏104‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏وخذوا حذركم إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً مهيناً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 102‏]‏ زيادة في تشجيعهم على قتال الأعداء، وفي تهوين الأعداء في قلوب المسلمين، لأنّ المشركين كانوا أكثر عدداً من المسلمين وأتمّ عُدّة، وما كان شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف، إلاّ تحقيقاً لنفي الوهن في الجهاد‏.‏

والابتغاءُ مصدر ابتغى بمعنى بَغي المتعدّي، أي الطلب، وقد تقدّم عند قوله‏:‏ ‏{‏أفغير دين الله تبغون‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏83‏)‏‏.‏

والمراد به هنا المُبادأة بالغزوِ، وأن لا يتقاعسوا، حتّى يكون المشركون هم المبتدئين بالغزو‏.‏ تقول العرب‏:‏ طلبنا بني فلان، أي غزوناهم‏.‏ والمبادئ بالغزو له رعب في قلوب أعدائه‏.‏ وزادهم تشجيعاً على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من الله‏}‏ متعلّق ب ‏{‏ترجون‏}‏‏.‏ وحذف العائد المجرور بمن من جملة ‏{‏ما لا يرجون‏}‏ لدلالة حرف الجرّ الذي جُرّ به اسم الموصول عليه، ولك أن تجعل مَا صْدق ‏{‏ما لا يرجون‏}‏ هو النصر، فيكون وعداً للمسلمين بأنّ الله ناصرهم، وبشارة بأنّ المشركين لا يرجون لأنفسهم نصراً، وأنّهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وهذا ممّا يفتّ في ساعدهم‏.‏ وعلى هذا الوجه يكون قوله‏:‏ ‏{‏من الله‏}‏ اعتراضاً أو حالاً مقدّمة على المجرور بالحرف، والمعنى على هذا كقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 11‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 109‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ‏(‏105‏)‏ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏106‏)‏ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ‏(‏107‏)‏ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ‏(‏108‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ‏(‏109‏)‏‏}‏

اتّصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ومناصريهم، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا خُذوا حذركم فانفروا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 71‏]‏ الآية، وتخلّل فيه من أحوال المنافقين في تربّصهم بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل في علائقهم مع المسلمين، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد، وانتقل إلى ذكر الهجرة، وعقّب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال أهل النفاق‏.‏

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً‏.‏

وجمهور المفسّرين على أنّ هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها‏:‏ أنّ أخوةً ثلاثة يقال لهم‏:‏ بِشر وبَشير ومُبشّر، أبناء أبَيْرِق، وقيل‏:‏ أبناء طُعْمَةَ بن أبيرق، وقيل‏:‏ إنّما كان بشير أحدهم يكنى أبا طُعمة، وهم من بني ظَفَر من أهل المدينة، وكان بشير شرّهم، وكان منافقاً يهجو المسلمين بشعر يشيعه وينسبه إلى غيره، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة، وكانوا جيرة لرفاعة بن زيد، وكانت عِير قد أقبلت من الشام بدَرْمَككٍ وهو دقيق الحُوّارَى أي السميذ فابتاع منها رفاعة بن زيد حِملا من دَرْمك لطعامه، وكان أهل المدينة يأكلون دقيق الشعير، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيّد المنزل شيئاً لطعامه فجَعل الدرمك في مشربة له وفيها سلاح، فعدَى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا الدقيق والسلاح، فلمّا أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة بن النعمان بذلك، فجعل يتحسّس، فأنبئ بأنّ بني أبيرق استوقدُوا في تلك الليلة ناراً، ولعلّه على بعض طعام رفاعة، فلمّا افتضح بنو أبيرق طرحوا المسروق في دار أبي مُليل الأنصاري‏.‏ وقيل‏:‏ في دار يهودي اسمه زيد بن السمين، وقيل‏:‏ لبيد بنُ سهل، وجاء بعض بني ظَفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكوا إليه أنّ رفاعة وابن أخيه اتَّهَما بالسرقة أهلَ بيت إيمان وصلاح، قال قتادة‏:‏ فأتَيت رسول الله، فقال لي ‏"‏ عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة على غير بيّنة ‏"‏‏.‏ وأشاعوا في الناس أنّ المسروق في دار أبي مُليل أو دار اليهودي‏.‏ فما لبث أن نزلت هذه الآية، وأطْلَعَ الله رسولَه على جِليّة الأمر، معجزة له، حتى لا يطمع أحد في أن يروّج على الرسول باطلاً‏.‏ هذا هو الصحيح في سَوق هذا الخبر‏.‏ ووقع في «كتاب أسباب النزول» للواحدي، وفي بعض روايات الطبري سوق القصة ببعض مخالفة لما ذكرتُه‏:‏ وأنّ بني ظَفر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن أصحابهم كي لا يفتضحوا ويبرأ اليهودي، وأنّ رسول الله هَمّ بذلك، فنزلت الآية‏.‏ وفي بعض الروايات أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لام اليهودي وبَرّأ المتّهم، وهذه الرواية واهية، وهذه الزيادة خطأ بيِّنٌ من أهل القَصص دون علم ولا تبصّر بمعاني القرآن‏.‏

والظاهر أنّ صدر الآية تمهيد للتلويح إلى القصة، فهو غير مختصّ بها، إذ ليس في ذلك الكلام ما يلوّح إليها، ولكن مبدأ التلويح إلى القصة من قوله‏:‏ ‏{‏ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بما أراك الله‏}‏ الباء للآلة جعل ما أراه الله إيّاه بمنزلة آلة للحكم لأنّه وسيلة إلى مصادفة العدل والحقّ ونفي الجور، إذ لا يحتمل علم الله الخطأ‏.‏ والرؤية في قوله‏:‏ ‏{‏أراك الله‏}‏ عرفانية، وحقيقتها الرؤية البصرية، فأطلقت على ما يدرك بوجه اليقين لمشابهته الشيء المشاهد‏.‏ والرؤية البصرية تنصب مفعولا واحداً فإذ أدخلت عليها همزة التعدية نصبت مفعولين كما هنا، وقد حذف المفعول الثاني لأنّه ضمير الموصول، فأغنى عنه الموصول، وهو حذف كثير، والتقدير‏:‏ بما أراكَه الله‏.‏

فكلّ ما جعله الله حقّا في كتابه فقد أمر بالحكم به بين الناس، وليس المراد أنّه يُعلمه الحقّ في جانب شخص معيّن بأنّ يقول له‏:‏ إن فلاناً على الحقّ، لأنّ هذا لا يلزم اطّراده، ولأنّه لا يُلفى مدلولا لجميع آيات القرآن وإنْ صلح الحمل عليه في مثل هذه الآية، بل المراد أنّه أنزل عليه الكتاب ليحكم بالطرق والقضايا الدالّة على وصف الأحوال التي يتحقّق بها العدل فيحكم بين الناس على حسب ذلك، بأن تندرج جزئيات أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف الكلية المبيّنة في الكتاب، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏، فقد أبطل حكم التبنّي الذي كان في الجاهلية، فأعلَمنا أنّ قَول الرجل لمن ليس ولده‏:‏ هذا ولدي، لا يجعل للمنسوب حقّاً في ميراثه‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في إدراج الجزئيات تحت كليّاتها، وقد يعرض الخطأ لغيره، وليس المراد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصادف الحقّ من غير وجوهه الجارية بين الناس، ولذلك قال ‏"‏ إنّما أنا بَشَر وإنَّكُم تختصمون إليّ ولعَلّ بعضَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بحجّته من بعضضٍ فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحقّ أخيه فلا يأخُذْه فإنّما أقْتَطِعُ له قِطعَة من نار ‏"‏‏.‏ وغير الرسول يخطئ في الاندراج، ولذلك وجب بذل الجهد واستقصاء الدليل، ومن ثمّ استدلّ علماؤنا بهذه الآية على وجوب الاجتهاد في فهم الشريعة‏.‏ وعن عمر بن الخطاب أنّه قال‏:‏ «لا يقولّن أحد قضيت بما أراني الله تعالى فإنّ الله تعالى لم يجعل ذلك إلاّ لنبيّه وأمّا الواحد منّا فرأيه يكون ظنّا ولا يكون علماً»، ومعناه هو ما قدّمناه من عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون الرسول صلى الله عليه وسلم

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏للخائنين خصيماً‏}‏ لام العلّة وليست لامَ التقوية‏.‏ ومفعول ‏{‏خصيماً‏}‏ محذوف دلّ عليه ذكر مقابله وهو ‏{‏للخائنين‏}‏ أي لا تكن تخاصم من يخاصم الخائنين، أي لا تخاصم عنهم‏.‏

فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله‏:‏ «كنت أنا خَصْمَه يوم القيامة»‏.‏ والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي صلى الله عليه وسلم وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق‏.‏

والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله ممّا اقترفوه، أو أراد‏:‏ واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم‏.‏ وهذا نظير قوله‏:‏ ‏{‏ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 64‏]‏ وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه، كما أخطأ فيه مَن تَوهَّم ذلك، فركَّب عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطر بباله مَا أوجب أمره بالاستغفار، وهو هَمُّه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنّهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم‏.‏

والخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تجادل‏}‏ للرسول، والمراد نهي الأمّة عن ذلك، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دلّ عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا‏}‏‏.‏

و ‏{‏يختانون‏}‏ بمعنى يَخونون، وهو افتعال دالّ على التكلّف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة‏.‏ ومعنى خيانتهم أنفسهم أنّهم بارتكابهم ما يضرّ بهم كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله‏:‏ ‏{‏عَلم الله أنّكم كنتم تختانون أنفسكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏‏.‏ ولك أن تجعل ‏{‏أنفسهم‏}‏ هنا بمعنى بني أنفسهم، أي بني قومهم، كقوله ‏{‏تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏، وقولِه ‏{‏فسلّموا على أنفسكم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏، أي الذين يختانون ناساً من أهلهم وقومهم‏.‏ والعرب تقول‏:‏ هو تميمي من أنفسهم، أي ليس بمولى ولا لصيق‏.‏

والمجادلة مفاعلة من الجدل، وهو القدرة على الخصام والحجّة فيه، وهي منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك، ومنه سمّي علم قواعد المناظرة والاحتجاج في الفقه عِلْمَ الجدل، ‏(‏وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم المنطق‏)‏‏.‏ ولم يسمع للجدل فعل مجرّد أصلي، والمسموع منه جَادل لأنّ الخصام يستدعي خصمين‏.‏ وأمّا قولهم‏:‏ جَدَله فهو بمعنى غلبه في المجادلة، فليس فعلا أصلياً في الاشتقاق‏.‏ ومصدر المجادلة، الجدال، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا جدال في الحجّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 197‏]‏‏.‏ وأمّا الجَدَل بفتحتين فهو اسم المصدر، وأصله مشتقّ من الجَدْل، وهو الصرع على الأرض، لأنّ الأرض تسمّى الجَدَالة بفتح الجيم يقال‏:‏ جَدَله فهو مجدول‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏يستحقون من الناس‏}‏ بيان ل ‏{‏يختانون‏}‏‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏ولا يستخفون من الله‏}‏ حال، وذلك هو محلّ الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون أنفسهم‏.‏ والاستخفاء من الله مستعمل مجازا في الحياء، إذ لا يعتقد أحد يؤمن بالله أنّه يستطيع أن يستخفي من الله‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏وهو معهم‏}‏ حال من اسم الجلالة، والمعية هنا معية العلم والاطّلاع و‏{‏إذ يبيّتون‏}‏ ظرف، والتبييت جعل الشيء في البيَات، أي الليل، مثل التصبيح، يقال‏:‏ بيَّتهم العدوُّ وصبَّحهم العدوُّ وفي القرآن‏:‏ ‏{‏لنبيتَنَّه وأهلَه‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 49‏]‏ أي لنأتينّهم ليلا فنقلتهم‏.‏ والمبيَّت هنا هو ما لا يُرضي من القول، أي دبّروه وزوّروه ليلا لقصد الإخفاء، كقول العرب‏:‏ هذا أمر قُضي بليل، أو تُشُورّ فيه بليل، والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البُراء بتهمة السرقة‏.‏

وقوله ‏{‏ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم‏}‏ استئناف أثاره قوله‏:‏ ‏{‏ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم‏}‏، والمخاطب كلّ من يصلح للمخاطبة من المسلمين‏.‏ والكلام جار مجرى الفرض والتقدير، أو مجرى التعريض ببعض بني ظَفَر الذين جادلوا عن بني أبيرق‏.‏

والقول في تركيب ‏{‏هأنتم هؤلاء‏}‏ تقدّم في سورة البقرة ‏(‏85‏)‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم‏}‏ وتقدّم نظيره في آل عمران ‏(‏119‏)‏ ها أنتم أولاء تحبّونهم ولا يحبّونكم‏.‏

و ‏(‏أمْ‏)‏ في قوله‏:‏ أمَّن يكون عليهم وكيلاً‏}‏ مُنقطعة للإضراب الانتقالي‏.‏ و‏(‏مَن‏)‏ استفهام مستعمل في الإنكار‏.‏

والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏173‏)‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 113‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏110‏)‏ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏111‏)‏ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ‏(‏112‏)‏ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ‏(‏113‏)‏‏}‏

اعتراض بتذييل بين جملة ‏{‏هَأنتم هَؤلاء جادلتم عنهم‏}‏ وبين جملة‏:‏ ‏{‏ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمَّت طائفة منهم أن يُضلّوك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 109 113‏]‏‏.‏

وعَمل السوء هو العصيان ومخالفة ما أمر به الشرع ونهى عنه‏.‏ وظلم النفس شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر، وأطلق أيضاً على ارتكاب المعاصي‏.‏ وأحسنُ ما قيل في تفسير هذه الآية‏:‏ أنّ عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس، وهو الاعتداء على حقوقهم، وأنّ ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصّة ما أمر به أو نُهيَ عنه‏.‏

والمراد بالاستغفار التوبة وطلب العفو من اللَّهِ عمّا مضى من الذنوب قبل التوبة، ومعنى ‏{‏يجد الله غفوراً رحيماً‏}‏ يتحقّق ذلك، فاستعير فعل ‏{‏يجد‏}‏ للتحقّق لأنّ فعل وَجد حقيقته الظَفَر بالشيء ومشاهدته، فأطلق على تحقيق العفو والمغفرة على وجه الاستعارة‏.‏ ومعنى ‏{‏غفوراً رحيماً‏}‏ شديد الغفران وشديد الرحمة وذلك كناية عن العموم والتعجيل، فيصير المعنى يجد الله غافراً له راحماً له، لأنّه عامّ المغفرةِ والرحمةِ فلا يخرج منها أحد استغفره وتاب إليه، ولا يتخلّف عنه شمول مغفرته ورحمته زَمناً، فكانت صيغة ‏{‏غفوراً رحيماً‏}‏ مع ‏{‏يجد‏}‏ دَالَّةً على القبول من كلّ تائب بفضل الله‏.‏

وذكر الخطيئة والإثممِ هنا يدلّ على أنّهما متغايران، فالمراد بالخطيئة المعصية الصغيرة، والمراد بالإثم الكبيرة‏.‏

والرمي حقيقته قذف شيء من اليد، ويطلق مجازاً على نسبة خبر أو وصف لصاحبه بالحقّ أو الباطل، وأكثر استعماله في نسبة غير الواقع، ومن أمثالهم «رَمتْنِي بِدائها وانْسَلَّتْ» وقال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون المحصنات‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 4‏]‏ وكذلك هو هنا، ومثله في ذلك القذف حقيقة ومجازا‏.‏

ومعنى ‏{‏يرم به بريئاً‏}‏ ينسبه إليه ويحتال لترويج ذلك، فكأنَّه ينزع ذلك الإثم عن نفسه ويرمي به البريء‏.‏ والبهتان‏:‏ الكذب الفاحش‏.‏ وجُعل الرمي بالخطيئة وبالإثم مرتبة واحدة في كون ذلك إثماً مبينا‏:‏ لأنّ رمي البريء بالجريمة في ذاته كبيرة لما فيه من الاعتداء على حقّ الغير‏.‏ ودُلّ على عظم هذا البهتان بقوله‏:‏ ‏{‏احتمل‏}‏ تمثيلاً لحال فاعله بحال عناء الحامل ثِقلا‏.‏ والمبين الذي يَدلّ كلّ أحدٍ على أنّه إثم، أي إثماً ظاهراً لا شبهة في كونه إثماً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك‏}‏ عطف على ‏{‏ولا تكن للخائنين خصيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 105‏]‏‏.‏

والمراد بالفضل والرحمة هنا نِعمة إنزال الكتاب تفصيلا لوجوه الحقّ في الحكم وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه‏.‏ وظاهر الآية أنّ هَمّ طائفة من الذين يختانون أنفسهم بأن يُضلّون الرسول غيرُ واقع من أصله فضلا عن أن يضلّوه بالفعل‏.‏ ومعنى ذلك أنّ علمهم بأمانته يزعهم عن محاولة ترويج الباطل عليه إذ قد اشتهر بين الناس، مؤمنهم وكافرهم، أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أمين فلا يسعهم إلاّ حكاية الصدق عنده، وأنّ بني ظَفَر لما اشتكوا إليه من صنيع قتادة بن النعمان وعمّه كانوا يظنّون أنّ أصحابهم بني أبيرق على الحقّ، أوْ أنّ بني أبيرق لمّا شكوا إلى رسول الله بما صنعه قتادة كانوا موجسِين خِيفة أن يُطلع الله رسوله على جليّة الأمر، فكان ما حاولوه من تضليل الرسول طمعاً لا هَمّا، لأنّ الهمّ هو العزم على الفعل والثقة به، وإنّما كان انتفاءُ همّهم تضليلَه فضلاً ورحمة، لدلالته على وقاره في نفوس الناس، وذلك فضل عظيم‏.‏

وقيل في تفسير هذا الانتفاء‏:‏ إنّ المراد انتفاء أثره، أي لولا فضل الله لضلِلْت بهمّهم أن يُضلّوك، ولكن الله عصمك عن الضلال، فيكون كناية‏.‏ وفي هذا التفسير بُعد من جانب نظم الكلام ومن جانب المعنى‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏وما يضلون إلا أنفسهم‏}‏ أنّهم لو همُّوا بذلك لكان الضلال لاحقاً بهم دونك، أي يكونون قد حاولوا ترويج الباطل واستغفال الرسول، فحقّ عليهم الضلال بذلك، ثم لا يجدونك مصغِيا لضلالهم، و‏{‏من‏}‏ زائدة لتأكيد النفي‏.‏ و‏{‏شيء‏}‏ أصله النَّصب على أنّه مفعول مطلق لقوله ‏{‏يضرّونك‏}‏ أي شيئاً من الضرّ، وجُرّ لأجل حرف الجرّ الزائد‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة‏}‏ عطف على ‏{‏وما يضرونك من شيء‏}‏‏.‏ وموقعها لزيادة تقرير معنى قوله‏:‏ ‏{‏ولولا فضل الله عليك ورحمته‏}‏ ولذلك ختمها بقوله‏:‏ ‏{‏وكان فضل الله عليك عظيماً‏}‏، فهو مثل ردّ العجز على الصدر‏.‏ والكتاب‏:‏ والقرآن‏.‏ والحكمة‏:‏ النبوءة‏.‏ وتعليمه ما لم يكن يعلم هو ما زاد على ما في الكتاب من العلم الوارد في السنّة والإنباء بالمغيّباتتِ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏114‏]‏

‏{‏لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏114‏)‏‏}‏

لم تَخْلُ الحوادث التي أشارت إليها الآي السابقة، ولا الأحوال التي حذّرت منها، من تناج وتحاوُر، سِرّا وجهراً، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها، لذلك كان المقام حقيقاً بتعقيب جميع ذلك بذكر النجوى وما تشتمل عليه، لأنّ في ذلك تعليماً وتربية وتشريعاً، إذ النجوى من أشهر الأحوال العارضة للناس في مجتمعاتهم، لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين، وكان التناجي فاشياً لمقاصد مختلفة، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكّا، أي خوفاً، إذ كان المؤمنون في حال مناواة من المشركين وأهللِ الكتاب، فلذلك تكرّر النهي عن النجوى في القرآن نحو ‏{‏ألَمْ تَرَ إلى الذين نُهوا عن النجوى‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 8‏]‏ الآيات، وقوله‏:‏ ‏{‏إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 47‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 14‏]‏، فلذلك ذمّ الله النجوى هنا أيضاً، فقال‏:‏ ‏{‏لا خير في كثير من نجواهم‏}‏‏.‏ فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لإفادة حكم النجوى، والمناسبةُ قد تبيّنت‏.‏

والنجوى مصدر، هي المسَارّة في الحديث، وهي مشتقّة من النجو، وهو المكان المستتر الذي المفضِي إليه ينجو من طالبه، ويطلق النجوى على المناجين، وفي القرآن ‏{‏إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى‏}‏، وهو وصف بالمصدر والآية تحتمل المعنيين‏.‏ والضمير الذي أضيف إليه ‏{‏نجوى‏}‏ ضمير جماعة الناس كلّهم، نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا إنّهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وما يُعلنون‏}‏ في سورة هود ‏(‏5‏)‏، وليس عائداً إلى ما عادت إليه الضمائر التي قبله في قوله‏:‏ ‏{‏يستخفون من الناس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 108‏]‏ إلى هنا؛ لأنّ المقام مانع من عوده إلى تلك الجماعة إذ لم تكن نجواهم إلاّ فيما يختصّ بقضيتهم، فلا عموم لها يستقيم معه الاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس‏}‏‏.‏ وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة، فإنّ شأن المحادثات والمحاورات أن تكون جهرة، لأنّ الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلّم برأيه، وعلى شجاعته في إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره، فلا يصير إلى المناجاة إلاّ في أحوال شاذّة يناسبها إخفاء الحديث‏.‏ فمَن يناجي في غير تلك الأحوال رُمي بأنّ شأنه ذميم، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره، كما قال صالح بن عبد القدوس‏:‏

الستر دون الفاحشات ولا *** يَغشاك دون الخير مِنْ ستْرِ

وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرّة، لأنّ التناجي كان من شأن المنافقين فقال‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 8‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إنّما النجوى من الشيطان ليُحزن الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 10‏]‏‏.‏

وقد ظهر من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أنّ النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين، فعلمنا من ذلك أنّها لا تغلب إلاّ على أهل الريَب والشبهات، بحيث لا تصير دأباً إلاّ لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى‏.‏

ومعنى ‏{‏لا خير‏}‏ أنّه شرّ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 32‏]‏، ولأنّ مقام التشريع إنّما هو بيان الخير والشرّ‏.‏

وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو مُتناجيِهم، فعلم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع‏.‏ والاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلاّ من أمر بصدقة‏}‏ على تقدير مضاف، أي‏:‏ إلاّ نجوى من أمر، أو بدون تقدير إن كانت النجوى بمعنى المتناجين، وهو مستثنى من ‏{‏كثير‏}‏، فحصل من مفهوم الصفة ومفهوم الاستثناء قسمان من النجوى يثبت لهما الخير، ومع ذلك فهما قليل من نجواهم‏.‏ أمّا القسم الذي أخرجَته الصفة، فهو مجمل يصدق في الخارج على كلّ نجوى تصدر منهم فيها نفع، وليس فيها ضرر، كالتناجي في تشاور فيمن يصلح لمخالطة، أو نكاح أو نحو ذلك‏.‏

وأمّا القسم الذي أخرجه الاستثناء فهو مبيّن في ثلاثة أمور‏:‏ الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس‏.‏ وهذه الثلاثة لو لم تذكر لدخلت في القليل من نجواهم الثابت له الخير، فلمّا ذكرت بطريق الاستثناء علمنا أنّ نظم الكلام جرى على أسلوب بديع فأخرج ما فيه الخير من نجواهم ابتداء بمفهوم الصفة، ثم أريد الاهتمام ببعض هذا القليل من نجواهم، فأخرج من كثير نجواهم بطريق الاستثناء، فبَقي ما عدا ذلك من نجواهم، وهو الكثير، موصوفاً بأن لا خير فيه وبذلك يتّضح أنّ الاستثناء متّصل، وأنْ لا داعي إلى جعله منقطعاً‏.‏ والمقصد من ذلك كلّه الاهتمام والتنويه بشأن هذه الثلاثة، ولو تناجى فيها مَن غالب أمره قصد الشرّ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يفعل ذلك‏}‏ إلخ وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله‏.‏ فدلّ على أنّ كونها خيراً وصف ثابت لها لما فيها من المنافع، ولأنّها مأمور بها في الشرع، إلاّ أنّ الثواب لا يحصل إلاّ عن فعلها ابتغاء مرضاة الله كما في حديث‏:‏ «إنما الأعمال بالنيات»‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏(‏نُؤتيه‏)‏ بنون العظمة على الالتفات من الغيبة في قوله‏:‏ ‏{‏مرضاة الله‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏

‏{‏وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ‏(‏115‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 114‏]‏ بمناسبة تضادّ الحالين‏.‏ والمشاقّة‏:‏ المخالفة المقصودة، مشتقّة من الشِّقّ لأنّ المخالف كأنّه يختار شِقّا يكون فيه غير شِقّ الآخر‏.‏

فيحتمل قوله‏:‏ ‏{‏من بعد ما تبين له الهدى‏}‏ أن يكون أراد به من بعد ما آمن بالرسول فتكون الآية وعيداً للمرتدّ‏.‏ ومناسبتها هنا أن بشير بن أبَيْرق صاحب القصّة المتقدّمة، لمّا افتضح أمره ارتدّ ولحق بمكة، ويحتمل أن يكون مراداً به من بعد ما ظهر صدق الرسول بالمعجزات، ولكنّه شاقَّه عناداً ونِواء للإسلام‏.‏

وسَبيل كلّ قوم طريقتهم التي يسلكونها في وصفهم الخاصّ، فالسبيل مستعار للاعتقادات والأفعال والعادات، التي يلازمها أحد ولا يبتغي التحوّل عنها، كما يلازم قاصد المكان طريقاً يبلغه إلى قصده، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل هذه سبيلي‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 108‏]‏ ومعنى هذه الآية نظير معنى قوله‏:‏ ‏{‏إنّ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقّوا الرسول من بعد ما تبيّن لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 32‏]‏، فمن اتّبع سبيل المؤمنين في الإيمان واتّبع سبيل غيرهم في غير الكفر مثل اتّباع سبيل يهود خبير في غراسة النخيل، أو بناء الحصون، لا يحسن أن يقال فيه اتّبع غير سبيل المؤمنين‏.‏ وكأنّ فائدة عطف اتّباع غير سبيل المؤمنين على مشاقّة الرسول الحَيطةُ لحفظ الجامعة الإسلامية بعد الرسول، فقد ارتدّ بعض العرب بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال الحُطيئة في ذلك‏:‏

أطعنا رسولَ اللَّه إذ كان بيننا *** فيا لعباد الله ما لأبي بكر

فكانوا ممّن اتّبع غير سبيل المؤمنين ولم يُشَاقّوا الرسول‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏نوله ما تولى‏}‏ الإعراض عنه، أي نتركه وشأنه لقلّة الاكتراث به، كما ورد في الحديث ‏"‏ وأمّا الآخر فأعرض الله عنه ‏"‏‏.‏ وقد شاع عند كثير من علماء أصول الفقه الاحتجاج بهذه الآية، لكون إجماع علماء الإسلام على حكم من الأحكام حجّة، وأوّل من احتجّ بها على ذلك الشافعي‏.‏ قال الفخر‏:‏ «روي أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله تدلّ على أنّ الإجماع حجّة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتّى وجد هذه الآية‏.‏ وتقرير الاستدلال أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتّباع سبيل المؤمنين واجباً‏.‏ بيان المقدمة الأولى‏:‏ أنّه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتّبع غير سبيل المؤمنين، ومشاقّة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتّباع غير سبيل المؤمنين موجباً له، لكان ذلك ضمّا لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقلّ باقتضاء ذلك الوعيد، وأنّه غير جائز، فثبت أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين حرام، فإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتّباع سبيلهم واجباً»‏.‏ وقد قرّر غيره الاستدلال بالآية على حجّيّة الإجماع بطرق أخرى، وكلّها على ما فيها من ضعف في التقريب، وهو استلزام الدليل للمدّعي، قد أوردت عليها نقوض أشار إليها ابن الحاجب في «المختصر»‏.‏ واتّفقت كلمة المحقّقين‏:‏ الغزالي، والإمام في «المعالم»، وابننِ الحاجب، على توهين الاستدلال بهذه الآية على حجّيّة الإجماع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏116‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏116‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي، جعل تمهيداً لما بعده من وصف أحوال شركهم‏.‏ وتعقيب الآية السابقة بهذه مشير إلى أنّ المراد باتّباع غير سبيل المؤمنين اتّباع سبيل الكفر من شرك وغيره، فعقّبه بالتحذير من الشرك، وأكّده بأنّ للدلالة على رفع احتمال المبالغة أو المجاز‏.‏ وتقدّم القول في مثل هذه الآية قريباً‏.‏ غير أنّ الآية السابقة قال فيها ‏{‏ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏ وقال في هذه ‏{‏فقد ضل ضلالاً بعيداً‏}‏ وإنّما قال في السابقة ‏{‏فقد افترى إثماً عظيماً‏}‏ لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله‏:‏ ‏{‏يأيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقاً لما معكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 47‏]‏ فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيراً لهم من الافتراء وتفظيعاً لجنسه‏.‏ وأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيراً لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال‏.‏ وأكِّدَ الخبر هنا بحرف ‏(‏قَدْ‏)‏ اهتماماً به لأنّ المواجه بالكلام هنا المؤمنون، وهم لا يشكّون في تحقّق ذلك‏.‏

والبعيد أريد به القويّ في نوعه الذي لا يرجى لصاحبه اهتداء، فاستعير له البعيد لأنّ البعيد يُقصي الكائن فيه عن الرجوع إلى حيث صدر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 121‏]‏

‏{‏إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ‏(‏117‏)‏ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‏(‏118‏)‏ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ‏(‏119‏)‏ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏120‏)‏ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ‏(‏121‏)‏‏}‏

كان قوله‏:‏ ‏{‏إن يدعون‏}‏ بياناً لقوله‏:‏ ‏{‏فقد ضلّ ضلالاً بعيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 116‏]‏، وأي ضلال أشدّ من أن يشرك أحد بالله غيرَه ثم أن يَدّعي أنّ شركاءه إناث، وقد علموا أنّ الأنثى أضعف الصنفين من كلّ نوع‏.‏ وأعجب من ذلك أن يَكون هذا صادراً من العرب، وقد علم الناس حال المرأة بينهم، وقد حَرَمُوها من حقوق كثيرة واستضعفوها‏.‏ فالحصر في قوله‏:‏ ‏{‏إن يدعون من دونه إلا إناثاً‏}‏ قصر ادّعائي لأنّه أعجبُ أحوال إشراكهم، ولأنّ أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي‏:‏ اللاّت، والعُزّى، ومَنَاة، فهذا كقولك لا عالم إلاّ زيد‏.‏ وكانت العزّى لقريش، وكانت مناة للأوس والخزرج، ولا يخفى أنّ معظم المعاندين للمسلمين يومئذ كانوا من هذين الحيّين‏:‏ مشركو قريش هم أشدّ الناس عداء للإسلام‏:‏ ومنافقوا المدينة ومشركوها أشدّ الناس فتنة في الإسلام‏.‏

ومعنى ‏{‏وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً‏}‏ أنّ دعوتهم الأصنام دعوة للشيطان، والمراد جنس الشيطان، وإنما جعلوا يدعون الشيطان لأنه الذي سوّل لهم عبادة الأصنام‏.‏ والمَريد‏:‏ العاصي والخارج عن المَلِك، وفي المثل «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» اسما حصنين للسموأل، فالمريد صفة مشبّهة مشتقّة من مردُ بضم الراء إذا عتا في العصيان‏.‏

وجملة ‏{‏لعنه الله‏}‏ صفة لشيطان، أي أبعده؛ وتحتمل الدعاء عليه، لكن المقام ينبو عن الاعتراض بالدعاء في مثل هذا السياق‏.‏ وعطف ‏{‏وقال لأتخذن‏}‏ عليه يزيد احتمال الدعاء بُعداً‏.‏ وسياق هذه الآية كسياق أختها في قوله‏:‏ ‏{‏فاخرج إنّك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يُبعثون قال إنّك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 13 16‏]‏ الآية فكلّها أخبار‏.‏ وهي تشير إلى ما كان في أول خلق البشر من تنافر الأحوال الشيطانية لأحوال البشر، ونشأة العداوة عن ذلك التنافر، وما كونّه الله من أسباب الذود عن مصالح البشر أن تنالها القُوى الشيطانية نوال إهلاك بحرمان الشياطين من رضا الله تعالى، ومن مداخلتهم في مواقع الصلاح، إلاّ بمقدار ما تنتهز تلك القوى من فرض مَيل القوى البشرية إلى القوى الشيطانية وانجذابها، فتلك خُلَس تعمل الشياطين فيها عملها، وهو ما أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال هذا صراط عليّ مستقيم إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 41، 32‏]‏‏.‏ وتلك ألطاف من الله أوْدعها في نظام الحياة البشرية عند التكوين، فغلب بسببها الصلاح على جماعة البشر في كلّ عصر، وبقي معها من الشرُور حظّ يسير ينزع فيه الشيطان منازعه وَكَل الله أمرَ الذياد عنه إلى إرادة البشر، بعد تزويدهم بالنصح والإرشاد بواسطة الشرائع والحكمة‏.‏

فمعنى الحكاية عنه بقوله‏:‏ ‏{‏لأتّخذّن من عبادك نصيباً مفروضاً‏}‏ أنّ الله خلق في الشيطان علماً ضرورياً أيقن بمقتضاه أنّ فيه المقدرة على فتنة البشر وتسخيرهم، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان، فذلك هو النصيب المفروض، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلّة‏.‏

وليس قوله‏:‏ ‏{‏من عبادك‏}‏ إنكاراً من الشيطان لعبوديته لله، ولكنّها جلافة الخطاب النَّاشئة عن خباثة التفكير المتأصّلة في جبلّته، حتّى لا يستحضر الفكر من المعاني المدلولة إلاّ ما له فيه هوى، ولا يتفطّن إلى ما يحفّ بذلك من الغلظة، ولا إلى ما يفوته من الأدب والمعاني الجميلة، فكلّ حظّ كان للشيطان في تصرّفات البشر من أعمالهم المعنوية‏:‏ كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة‏:‏ كالفساد في الأرض، والإعلان بخدمة الشيطان‏:‏ كعبادة الأصنام، والتقريب لها، وإعطاء أموالهم لضلالهم، كلّ ذلك من النصيب المفروض‏.‏

ومعنى ‏{‏ولأضِلَّنَّهم‏}‏ إضلالهم عن الحق‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏ولأمنّينَّهم‏}‏ لأعدنَّهم مواعيد كاذبة، ألقيها في نفوسهم، تجعلهم يتمنّون، أي يقدّرون غير الواقع واقعاً، أغراقاً، في الخيال، ليستعين بذلك على تهوين انتشار الضلالات بينهم‏.‏ يقال‏:‏ منَّاه، إذا وعده المواعيد الباطلة، وأطمعه في وقوع ما يحبّه ممّا لا يقع، قال كعب‏:‏

فلا يغرنك ما منّت وما وعدت *** ومِنه سمّي بالتمنّي طلبُ ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏ولآمرنّهم فليبتْكن آذان الأنعام‏}‏ أي آمرنّهم بأن يبتّكوا آذان الأنعام فليبتّكنها، أي يأمرهم فيجدهم ممتثلين، فحذف مفعول أمَرَ استغناء عنه بما رُتّب عليه‏.‏ والتبتيك‏:‏ القطع‏.‏ قال تأبّط شراً‏:‏

ويجعلُ عينيه رَبيئَةَ قلبه *** إلى سَلّةٍ من حدّ أخلَقَ باتك

وقد ذكر هنا شيئاً ممّا يأمر به الشيطان ممّا يخصّ أحوال العرب، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام التي يجعلونها لطواغيتهم، علامة على أنّها محرّرة للأصنام، فكانوا يشقّون آذان البحيرة والسائبة والوصيلة، فكان هذا الشقّ من عمل الشيطان، إذ كان الباعثُ عليه غرضاً شيطانياً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله‏}‏ تعريض بما كانت تفعله أهل الجاهلية من تغيير خلق الله لدواع سخيفة، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع الأصنام مثل فقء عين الحامي، وهو البعير الذي حمَى ظهرَه من الركوب لكثرة ما أنْسَل، ويسيّب للطواغِيت‏.‏ ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشْم إذ أرادوا به التزيّن، وهو تشويه، وكذلك وسم الوجوه بالنار‏.‏

ويدخل في معنى تغيير خلق الله وضع المخلوقات في غير ما خلقها الله له، وذلك من الضلالات الخرافية‏.‏ كجعل الكواكب آلهة‏.‏ وجعل الكسوفات والخسوفات دلائل على أحوال الناس، ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام، الذي هو دين الفطرة، والفطرة خلق الله؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله‏.‏

وليس من تغيير خلق الله التصرّف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإنّ الختان من تغيير خلق الله ولكنّه لفوائد صحيّة، وكذلك حَلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليمُ الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله‏.‏

وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سمات كانت تعدّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلاّ فلو فرضنا هذه مَنهيّاً عنها لَما بلغ النهي إلى حدّ لَعن فاعلات ذلك‏.‏ وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها‏.‏ وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمّى‏:‏ «النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح»‏.‏

وجملة ‏{‏ومن يتُخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً‏}‏ تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان‏:‏ من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يعدهم ويمنّيهم‏}‏ استئناف لبيان أنّه أنجز عزمه فوعد ومنَّى وهو لا يزال يَعد ويمنّي، فلذلك جيء بالمضارع‏.‏ وإنّما لم يذكر أنّه يأمرهم فيبتّكون آذان الأنعام ويغيّرون خلق الله لظهور وقوعه لكلّ أحد‏.‏

وجيء باسم الإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك مأواهم جهنّم‏}‏ لتنبيه السامعين إلى ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر وأنّ المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدّم من ذكر صفاتهم‏.‏

والمحيص‏:‏ المراغ والملجأ، من حاص إذا نفَر وراغ، وفي حديث هرقل «فحَاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب»‏.‏ وقال جعفر بن عُلْبَةَ الحارثي‏:‏

ولم نَدْرِ إن حِصْنا من الموت حَيْصَة *** كَم العُمْرُ باققٍ والمدى متطاولُ

روي‏:‏ حِصنا وحيصة بالحاء والصاد المهملتين ويقال‏:‏ جاض أيضاً بالجيم والضاد المعجمة، وبهما روي بيت جعفر أيضاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏122‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ‏(‏122‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏أولئك مأواهم جهنّم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 121‏]‏ جرياً على عادة القرآن في تعقيب الإنذار بالبشارة، والوعيدِ بالوعد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وعد الله‏}‏ مصدر مؤكّد لمضمون جملة‏:‏ ‏{‏سندخلهم جنات تجري‏}‏ الخ، وهي بمعناه، فلذلك يسمّي النحاة مثلَه مؤكّداً لنفسه، أي مؤكّداً لما هو بمعناه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏حقاً‏}‏ مصدر مؤكّد لِمضمون ‏{‏سندخلهم جنات‏}‏، إذ كان هذا في معنى الوعد، أي هذا الوعد أحقّقه حقّاً، أي لا يتخلّف‏.‏ ولمّا كان مضمونُ الجملة التي قبله خالياً عن معنى الإحقاق كان هذا المصدر ممّا يسميّه النحاة مصدراً مؤكّداً لغيره‏.‏

وجملة ‏{‏ومن أصدق من الله‏}‏ تذييل للوعد وتحقيق له‏:‏ أي هذا من وعد الله، ووعود الله وعود صدق، إذ لا أصدقُ من الله قيلا‏.‏ فالواو اعتراضية لأنّ التذييل من أصناف الاعتراض وهو اعتراض في آخر الكلام، وانتصب ‏{‏قيلا‏}‏ على تمييز نسبة من ‏{‏أصدق من الله‏}‏‏.‏

والاستفهام إنكاري‏.‏

والقيل‏:‏ القول، وهو اسم مصدر بوزن فِعْل يجيء في الشرّ والخير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 124‏]‏

‏{‏لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏123‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ‏(‏124‏)‏‏}‏

الأظهر أنّ قوله‏:‏ ‏{‏ليس بأمانيكم‏}‏ استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل الأعمال، والتشويه بمساويها، وأنّ في ‏(‏ليس‏)‏ ضميراً عائداً على الجزاء المفهوم من قوله‏:‏ ‏{‏يجز به‏}‏، أي ليس الجزاء تابعاً لأماني الناس ومشتهاهم، بل هو أمر مقدّر من الله تعالى تقديراً بحسب الأعمال، وممّا يؤيّد أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏ليس بأمانيكم‏}‏ استئنافاً ابتدائياً أنّه وقع بعد تذييل مُشعر بالنهاية وهو قوله‏:‏ ‏{‏ومن أصْدق من الله قيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 122‏]‏‏.‏ ومِمّا يرجّحه أنّ في ذلك الاعتبار إبهاماً في الضمير، ثم بياناً له بالحملة بعده، وهي‏:‏ ‏{‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏؛ وأنّ فيه تقديم جملة ‏{‏ليس بأمانيكم‏}‏ عن موقعها الذي يُترقّب في آخر الكلام، فكان تقديمها إظهاراً للاهتمام بها، وتهيئةً لإبهام الضمير‏.‏ وهذه كلّها خصائص من طرق الإعجاز في النظم‏.‏ وجملة ‏{‏من يعمل سوءاً يجز به‏}‏ استئناف بياني ناشئ عن جملة ‏{‏ليس بأمانيكم‏}‏ لأنّ السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل‏.‏ ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسّرناه‏.‏ وجعل صاحب «الكشاف» الضمير المستتر عائداً على وعد الله، أي ليس وعدّ الله بأمانيّكم؛ فتكون الجملة من تكملة الكلام السابق حالاً من ‏{‏وعْدَ الله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 122‏]‏، وتكون جملة ‏{‏من يعمل سوءاً يحز به‏}‏ استئنافاً ابتدائياً محضاً‏.‏

روي الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح، وروى ابن جرير بسنده إلى مسروق، وقتادةَ، والسدّي، والضحاك، وبعضُ الروايات يزيد على بعض، أنّ سبب نزولها‏:‏ أنّه وقع تحاجّ بين المسلمين وأهل الكتاب‏:‏ اليهود والنصارى، كلّ فريق يقول للآخرين‏:‏ نحن خير منكم، ويحتجّ لذلك ويقول‏:‏ لن يدخل الجنة إلاّ من كان على ديننا‏.‏ فأنزل الله ‏{‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏}‏ الآيات مبين أن كلّ من اتّبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكلّ من ضلّ وخالف أمر الله فهو مجازى بسوء عمله، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى، فبطل قول النصارى‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنّة، فبطل قول المسلمين واليهود‏:‏ لن يدخل الجنّة إلاّ من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكماً فصلاً بين الفرق، وتعليماً لهم أن ينظروا في توفّر حقيقة الإيمان الصحيح، وتوفّر العمل الصالح معه، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله‏:‏ ‏{‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب‏}‏‏.‏ ثم إنّ الله لَوّح إلى فلج حجّة المسلمين بإشارة قوله‏:‏ ‏{‏وهو مؤمن‏}‏ فإن كان إيمان اختلّ منه بعض ما جاء به الدين الحقّ، فهو كالعدم، فعقّب هذه الآية بقوله‏:‏ ‏{‏ومن أحسن دينا ممّن أسلم وجهه الله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً‏}‏

‏[‏النساء‏:‏ 125‏]‏‏.‏ والمعنى أنّ الفوز في جانب المسلمين، لا لأنّ أمانيّهم كذلك، بل لأنّ أسباب الفوز والنجاة متوفّرة في دينهم‏.‏ وعن عكرمة‏:‏ قالت اليهود والنصارى‏:‏ لن يدخل الجنّة إلاّ من كان منّا‏.‏ وقال المشركون‏:‏ لا نُبْعث‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بأمانيكم‏}‏ للملابسة، أي ليس الجزاء حاصلاً حصولاً على حسب أمانيّكم، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأنّ أمانيّ المخاطبين واقعة لا منفية‏.‏

والأمانيّ جمع أمنية، وهي اسم للتمنّي، أي تقدير غير الواقع واقعاً‏.‏ والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة‏.‏ وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏78‏)‏‏.‏ وكأنَّ ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد، وأنّ ما كان خلاف ذلك لا يعتدّ به‏.‏ وما وافقه هو الحقّ، والمقصد المهمّ هو قوله‏:‏ ‏{‏ولا أمانيّ أهل الكتاب‏}‏ على نحو‏:‏ ‏{‏وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 24‏]‏ فإنّ اليهود كانوا في غرور، يقولون‏:‏ لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة‏.‏ وقد سمّى الله تلك أماني عند ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏وقالوا لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 80‏]‏ ‏{‏تلك أمانيّهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 111‏]‏‏.‏ أمّا المسلمون فمُحاشون من اعتقاد مثل ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ الخطاب لكفار العرب، أي ليس بأمانيّ المشركين، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند الله، ولا أمانيّ أهل الكتاب الذين زعموا أنّ أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب الله، وهو محمل للآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً‏}‏ زيادة تأكيد، لردّ عقيدة من يتوهّم أنّ أحداً يغني عن عذاب الله‏.‏

والوليّ هو المولى، أي المشارك في نسب القبيلة، والمراد به المدافع عن قريبه، والنصيرُ الذي إذا استنجدته نصرَك، أو الحليف، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين‏.‏

ووجه قوله‏:‏ ‏{‏من ذكر أو أنثى‏}‏ قصد التعميم والردّ على من يحرم المرأة حظوظاً كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب‏.‏ وفي الحديث «ولْيَشْهَدْنَ الخيرَ ودعوةَ المسلمين»‏.‏ و‏(‏مِن‏)‏ لبيان الأبهام الذي في ‏(‏مَن‏)‏ الشرطية في قوله‏:‏ ‏{‏ومن يعمل من الصالحات‏}‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يَدْخلون‏}‏ بفتح التحتية وضمّ الخاء‏.‏ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، ورَوْح عن يعقوب بضمّ التحتيّة وفتح الخاء على البناء للنائب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏125- 126‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ‏(‏125‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ‏(‏126‏)‏‏}‏

الأظهر أنّ الواو للحال من ضمير ‏{‏يدخلون الجنّة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 124‏]‏ الذي ما صْدَقُه المؤمنون الصالحون، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم‏.‏ والاستفهامُ إنكاري‏.‏ وانتصب ‏{‏دينا‏}‏ على التمييز‏.‏ وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنساناً، وفي القرآن ‏{‏فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 20‏]‏‏.‏ والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل كقوله‏:‏ ‏{‏لنسفعن بالناصية‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 15‏]‏، ويقولون‏:‏ أخذ بساقه، أي تمكن منه، وكأنّه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام‏.‏ وفي الحديث ‏"‏ الطلاق لمن أخذ بالساق ‏"‏‏.‏ ويقولون‏:‏ ألقى إليه القياد، وألقى إليه الزمام، وقال زيد بن عمرو بن نفيل‏:‏

يَقُولُ أنفي لكَ عَاننٍ رَاغِم *** ويقولون‏:‏ يدي رهن لفلان‏.‏ وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود الله ووحدانيته‏.‏ وقد تقدّم ما فيه بيان لهذا عنا، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ الدين عند الله الإسلام‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأوصى بها إبراهيم بنيه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 132‏]‏‏.‏

وجملة «وهو محسن» حال قصد منها اتّصافه بالإحسان حين إسلامه وجهَه لله، أي خلع الشرك قاصداً الإحسان، أي راغباً في الإسلام لِمَا رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان‏.‏ ومعنى ‏{‏واتبع ملة إبراهيم حنيفاً‏}‏ أنه اتّبع شريعة الإسلام التي هي على أُسس ملّة إبراهيم‏.‏ فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في الإسلام، ولعلّها هي‏:‏ الإيمان، والإحسان، والإسلام‏.‏ ولك أن تجعل معنى ‏{‏أسلم وجهه لله‏}‏ أنّه دخل في الإسلام، وأنّ قوله‏:‏ ‏{‏وهو محسن‏}‏ مخلص راغب في الخير، وأنّ اتّباع ملّة إبراهيم عني به التوحيد‏.‏ وتقدّم أنّ ‏{‏حنيفاً‏}‏ معناه مائلاً عن الشرك أو متعبّداً‏.‏ وإذا جعلت معنى قوله‏:‏ ‏{‏وهو محسن‏}‏ أي عامل الصالحات كان قوله‏:‏ ‏{‏واتبع ملة إبراهيم حنيفاً‏}‏ بمنزلة عطف المرادف وهو بعيد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتخذ الله إبراهيم خليلاً‏}‏ عطف ثناء إبراهيم على مدح من اتّبع دينه زيادة تنويه بدين إبراهيم، فأخبر أنّ الله اتّخذ إبراهيم خليلاً‏.‏ والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه، مشتقّ من الخِلال، وهو النواحي المتخلّلة للمكان ‏{‏فترى الودق يخرج من خلاله‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 43‏]‏ ‏{‏فجّرنا خلالهما نهرا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 33‏]‏‏.‏ هذا أظهر الوجوه في اشتقاق الخليل‏.‏ ويقال‏:‏ خِلّ وخُلّ بكسر الخاء وضمّها ومؤنّثهُ‏:‏ خُلّة بضمّ الخاء، ولا يقال بكسر الخاء، قال كعب‏:‏

أكرم بها خُلَّةً لو أنَّها صدقت

وجمعها خلائل‏.‏ وتطلق الخلّة بضمّ الخاء على الصحبة الخالصة ‏{‏لا بيع فيه ولا خُلّة ولا شفاعة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254‏]‏، وجمعها خِلال ‏{‏مِنْ قَبْلِ أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 31‏]‏‏.‏ ومعنى اتُخاذ الله إبراهيم خليلاً شدّة رِضَى اللَّهِ عنه، إذ قد علم كلّ أحد أنّ الخلّة الحقيقية تستحِيل على الله فأريد لوازمها وهي الرضى، واستجابة الدعوة، وذكره بخير، ونحو ذلك‏.‏

وجملة ‏{‏ولله ما في السموات وما في الأرض‏}‏ الخ تذييل جعل كالاحتراس، على أنّ المراد بالخليل لازم معنى الخلّة، وليست هي كخلّة الناس مقتضية المساواة أو التفضيل، فالمراد منها الكناية عن عبودية إبراهيم في جملة ‏{‏ما في السموات وما في الأرض‏}‏‏.‏ والمحيط‏:‏ العليم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ‏(‏127‏)‏‏}‏

عطف تشريع على إيمان وحكمة وعظة‏.‏ ولعلّ هذا الاستفتاء حدث حين نزول الآيات السابقة‏.‏ فذكر حكمه عقبها معطوفاً‏.‏ وهذا الاستفتاء حصل من المسلمين بعد أن نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3‏]‏ الخ‏.‏ وأحسن ما ورد في تفسير هذه الآية ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة عن قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى‏}‏ قالت‏:‏ يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويُعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيَها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ‏.‏

وأنّ الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستفتونك في النساء‏}‏‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وترغبون أن تنكحوهن‏}‏ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال؛ قالت‏:‏ فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجْل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال، وكان الولي يرغب عن أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها‏.‏ فنزلت هذه الآية‏.‏

فالمراد‏:‏ ويستفتونك في أحكام النساء إذ قد علم أنّ الاستفتاء لا يتعلّق بالذوات، فهو مثل قوله‏:‏ ‏{‏حرّمت عليكم أمّهاتكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏‏.‏ وأخصّ الأحكام بالنساء‏:‏ أحكام ولايتهنّ، وأحكام معاشرتهنّ‏.‏ وليس المقصود هنا ميراث النساء إذ لا خطور له بالبال هنا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قل الله يفتيكم فيهن‏}‏ وعد باستيفاء الإجابة عن الاستفتاء، وهو ضرب من تبشير السائل المتحيّر بأنّه قد وجد طلبته، وذلك مثل قولهم‏:‏ على الخبير سقطت‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 78‏]‏‏.‏ وتقديم اسم الجلالة للتنويه بشأن هذه الفتيا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما يتلى عليكم‏}‏ عطف على اسم الجلالة، أي ويفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم في الكتاب، أي القرآن، وإسناد الإفتاء إلى ما يُتلى إسناد مجازي، لأنّ ما يتلى دالّ على إفتاء الله فهو سبب فيه، فآل المعنى إلى‏:‏ قل الله يفتيكم فيهنّ بما يتلى عليكم في الكتاب، والمراد بذلك بما تلي عليهم من أوّل السورة، وما سيتلى بعد ذلك، فإنّ التذكير به وتكريره إفتاء به مرّة ثانية، وما أتبع به من الأحكام إفتاء أيضاً‏.‏ وقد ألّمت الآية بخلاصة ما تقدّم من قوله‏:‏ ‏{‏وآتوا اليتامى أموالهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وكفى بالله حسيباً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 2 6‏]‏‏.‏ وكذلك أشارت هذه الآية إلى فِقر ممّا تقدّم‏:‏ بقوله هنا‏:‏ ‏{‏في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهنّ ما كُتب لهنّ‏}‏ فأشار إلى قوله‏:‏

‏{‏وإن خفتم أن لا تقسطوا إلى قوله‏:‏ فكلوه هنيئاً مريئاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3، 4‏]‏‏.‏

ولحذف حرف الجرّ بعد ‏{‏ترغبون‏}‏ هنا موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى، أي ترغبون عن نكاح بعضهنّ، وفي نكاح بعض آخر، فإنّ فعْل رغب يتعدّى بحرف ‏(‏عن‏)‏ للشيء الذي لا يُحَبّ؛ وبحرف ‏(‏في‏)‏ للشيء المحبوب‏.‏ فإذا حذف حرف الجرّ احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تناف، وذلك قد شمله قوله في الآية المتقدّمة ‏{‏وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3‏]‏ الخ‏.‏ وأشار بقوله هنا ‏{‏والمستضعفين من الولدان‏}‏ إلى قوله هنالك ‏{‏وآتوا اليتامى أموالهم إلى كَبيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 2‏]‏ وإلى قوله‏:‏ ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله‏:‏ معروفاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وأشار بقوله‏:‏ ‏{‏وأن تقوموا لليتامى بالقسط إلى قوله هنالك وابتلوا اليتامى إلى حسيباً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 6‏]‏‏.‏

ولا شكّ أنّ ما يتلى في الكتاب هو من إفتاء الله، إلاّ أنّه لمّا تقدّم على وقت الاستفتاء كان مغايراً للمقصود من قوله‏:‏ ‏{‏الله يفتيكم فيهنّ‏}‏، فلذلك صحّ عطفه عليه عطف السبب على المسبّب‏.‏ والإفتاء الأنف هو من قوله‏:‏ ‏{‏وإنِ امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً إلى واسعاً حكيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 128 130‏]‏‏.‏

و ‏(‏في‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏في يتامى النساء‏}‏ للظرفية المجازية، أي في شأنهن، أو للتعليل، أي لأجلهنّ، ومعنى ‏{‏كُتب لهنّ‏}‏ فُرِض لهنّ إمّا من أموال من يرثْنَهم، أو من المهور التي تدفعونها لهنّ، فلا توفوهنّ مهور أمثالهنّ، والكلّ يعدّ مكتوباً لهنّ، كما دلّ عليه حديث عائشة رضي الله عنها وعلى الوجهين يجيء التقدير في قوله‏:‏ ‏{‏وترغبون أن تنكحوهنّ‏}‏ ولك أن تجعل الاحتمالين في قوله‏:‏ ‏{‏ما كتب لهنّ‏}‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وترغبون أن تنكحوهنّ‏}‏‏.‏ مقصودين على حدّ استعمال المشترك في معنييه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والمستضعفين‏}‏ عطف على ‏{‏يتامى النساء‏}‏، وهو تكميل وإدماج، لأنّ الاستفتاء كان في شأن النساء خاصّة، والمراد المستضعفون والمستضعفات، ولكنّ صيغة التذكير تغليبٌ، وكذلك الولدان، وقد كانوا في الجاهلية يأكلون أموال من في حجرهم من الصغار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأن تقوموا‏}‏ عطف على ‏{‏يتامى النساء‏}‏، أي وما يتلى عليكم في القيام لليتامى بالعدل‏.‏ ومعنى القيام لهم التدبير لشؤونهم، وذلك يشمل يتامى النساء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 130‏]‏

‏{‏وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏128‏)‏ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏129‏)‏ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ‏(‏130‏)‏‏}‏

عطف لبقية إفتاء الله تعالى‏.‏ وهذا حكم اختلال المعاشرة بين الزوجين، وقد تقدّم بعضه في قوله‏:‏ ‏{‏واللاتي تخافون نشوزهنّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 34‏]‏ الآية، في هذه السورة، فذلك حكم فصْل القضاء بينهما، وما هنا حكم الانفصال بالصلح بينهما، وذلك ذكر فيه نشوز المرأة، وهنا ذكر نشوز البعْل‏.‏ والبعل زوج المرأة‏.‏ وقد تقدّم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله ‏{‏وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ في ذلك‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏228‏)‏‏.‏

وصيغة ‏{‏فلا جناح‏}‏ من صيغ الإباحة ظاهراً، فدلّ ذلك على الإذن للزوجين في صلح يقع بينهما‏.‏ وقد علم أنّ الإباحة لا تذكر إلاّ حيث يظنّ المنع، فالمقصود الإذن في صلح يكون بخلع‏:‏ أي عوَض مالي تعطيه المرأة، أو تنازل عن بعض حقوقها، فيكون مفاد هذه الآية أعمّ من مفاد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئاً إلاّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 229‏]‏، فسمّاه هناك افتداء، وسمّاه هنا صلحاً‏.‏ وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحقّ، وهو الأظهر هنا‏.‏ واصطلح الفقهاء من المالكية‏:‏ على إطّلاق الافتداء على اختلاع المرأة من زوجها بمال تعطيه، وإطلاق الخلع على الاختلاع بإسقاطها عنه بقية الصداق، أو النفقة لها، أو لأولادها‏.‏

ويحتمل أن تكون صيغة ‏{‏لا جناح‏}‏ مستعملة في التحريض على الصلح، أي إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية؛ شبّه حال من ترك الصلح واستمرّ على النشوز والإعراض بحال من ترك الصلح عن عمد لظنّه أنّ في الصلح جناحاً‏.‏ فالمراد الصلح بمعنى إصلاح ذات البين، والأشهر فيه أن يقال الإصلاح‏.‏ والمقصود الأمر بأسباب الصلح، وهي‏:‏ الإغضاء عن الهفوات، ومقابلة الغلظة باللين، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله‏:‏ ‏{‏وإن يتفرّقا يغن الله كلاّ من سعته‏}‏‏.‏

وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة‏:‏ تقوى وتضعف، وتختلف عواقبها،‏.‏ باختلاف أحوال الأنفس، ويجمعها قوله‏:‏ ‏{‏خافت من بِعَلها نشوزاً أو إعراضاً‏}‏‏.‏ وللصلح أحوال كثيرة‏:‏ منها المخالعة، فيدخل في ذلك ما ورد من الآثار الدالّة على حوادث من هذا القبيل‏.‏ ففي «صحيح البخاري»، عن عائشة، قالت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً‏}‏ قالت‏:‏ الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول له أجعلك من شأني في حلّ‏.‏ فنزلت هذه الآية‏.‏ وروى الترمذي، بسند حسن عن ابن عباس، أنّ سودة أمّ المؤمنين وهبت يومها لعائشة، وفي أسباب النزول للواحدي‏:‏ أنّ ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمراً، أيّ كِبَراً فأراد طلاقها، فقالت له‏:‏ أمسكني واقْسِم لي ما بدَا لك‏.‏

فنزلت الآية في ذلك‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أن يصّالحا‏}‏ بتشديد الصاد وفتح اللام وأصله يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ «إن يُصْلِحَا» بضمّ التحتيّة وتخفيف الصاد وكسر اللام أي يُصلح كلّ واحد منهما شأَنهما بما يبدو من وجوه المصالحة‏.‏

والتعريف في قوله‏:‏ ‏{‏والصلح خير‏}‏ تعريف الجنس وليس تعريف العهد، لأنّ المقصود إثبات أنّ ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه، وليس المقصود أنّ الصلح المذكورَ آنفاً، وهو الخلع، خير من النزاع بين الزوجين، لأنّ هذا، وإنّ صحّ معناه، ألاّ أنّ فائدة الوجه الأوّل أوفر، ولأنّ فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النزاع في الخيرية مع أنّ النزاع لا خير فيه أصلاً‏.‏ ومن جعل الصلح الثاني عين الأوّل غرّته القاعدة المتداولة عند بعض النحاة، وهي‏:‏ أنّ لفظ النكرة إذا أعيد معرّفاً باللام فهو عين الأولى‏.‏ وهذه القاعدة ذكرها ابن هشام الأنصاري في «مغني اللبيب» في الباب السادس، فقال‏:‏ يقولون‏:‏ «النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كانت الثانية عين الأولى»، ثم ذكر أنّ في القرآن آيات تَرُدّ هذه الأحكام الأربعة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوةً ثم جعل من بعد قوة ضعفاً‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 54‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أن يصّالحا بينهما صلحاً والصلح خير‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 128‏]‏ ‏{‏زدناهم عذاباً فوق العذاب‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 88‏]‏ والشيء لا يكون فوق نفسه ‏{‏أن النَّفْس بالنفس‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ ‏{‏يسألك أهل الكتاب أن تُنَزّل عليهم كتاباً من السماء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏، وأنّ في كلام العرب ما يردّ ذلك أيضاً‏.‏ والحقّ أنّه لا يختلف في ذلك إذا قامت قرينة على أنّ الكلام لتعريف الجنس لا لتعريف العهد، كما هنا‏.‏ وقد تقدّم القول في إعادة المعرفة نكرة عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏193‏)‏‏.‏ ويأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏37‏)‏‏.‏

وقوله ‏{‏خير‏}‏ ليس هو تفضيلاً ولكنّه صفة مشبّهة، وزنه فَعْل، كقولهم‏:‏ سَمْح وسَهْل، ويجمع على خيور‏.‏ أو هو مصدر مقابل الشرّ، فتكون إخباراً بالمصدر‏.‏ وأمّا المراد به التفضيل فأصل وزنه أفْعَل، فخفّف بطرح الهمزة ثم قلب حركته وسكونه‏.‏

جمعه أخيار، أي والصلح في ذاته خير عظيم‏.‏ والحمل على كونه تفضيلاً يستدعي أن يكون المفضّل عليه هو النشوز والإعراض‏.‏، وليس فيه كبير معنى‏.‏

وقد دلّت الآية على شدّة الترغيب في هذا الصلح بمؤكّدات ثلاثة‏:‏ وهي المصدر المؤكّد في قوله‏:‏ ‏{‏صلحاً‏}‏، والإظهارُ في مقام الإضمار في قوله‏:‏ ‏{‏والصلح خير‏}‏، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنّها تدلّ على فعللِ سَجية‏.‏

ومعنى ‏{‏وأحضرت الأنفس الشحّ‏}‏ ملازمة الشحّ للنفوس البشرية حتّى كأنّه حاضر لديها‏.‏ ولكونه من أفعال الجبلّة بُني فعله للمجهول على طريقة العرب في بناء كلّ فعل غير معلوممِ الفاعل للمجهول، كقولهم‏:‏ شُغف بفلانة، واضطُرّ إلى كذا‏.‏

ف«الشحّ» منصوب على أنّه مفعول ثان ل«أحضرِت» لأنّه من باب أعطَى‏.‏

وأصل الشحّ في كلام العرب البخل بالمال، وفي الحديث ‏"‏ أنْ تَصْدّقَ وأنت صحيح شحيح تخشَى الفقر وتأمل الغنى ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ ويطلق على حرص النفس على الحقوق وقلّة التسامح فيها، ومنه المشاحّة، وعكسه السماحة في الأمرين‏.‏

فيجوز أن يكون المراد بالصلح في هذه الآية صلح المال، وهو الفدية‏.‏ فالشحّ هو شحّ المال، وتعقيب قوله‏:‏ ‏{‏والصلح خير‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏وأحضرت الأنفس‏}‏ على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها‏:‏ وما إخالك تفعل، لقصد التحريض‏.‏

ويجوز أن يكون المراد من الشحّ ما جبلت عليه النفوس‏:‏ من المشاحّة، وعدم التساهل، وصعوبة الشكائم، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره، فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبّسين بهذه المشاحّة الحائلة دون المصالحة‏.‏ وتقدّم الكلام على البخل عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏180‏)‏‏.‏ وقد اشتهر عند العرب ذمّ الشحّ بالمال، وذمّ من لا سماحة فيه، فكان هذا التعقيب تنفيراً من العوارض المانعة من السماحة والصلح، ولذلك ذيّل بقوله‏:‏ ‏{‏وإن تحسنوا وتتّقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً‏}‏ لما فيه من الترغيب في الإحسان والتقوى‏.‏ ثم عذر الناس في شأن النساء فقال‏:‏ ‏{‏ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء‏}‏ أي تمامَ العدل‏.‏ وجاء ب ‏(‏لن‏)‏ للمبالغة في النفي، لأنّ أمر النساء يغالب النفس، لأنّ الله جعل حُسن المرأة وخُلقها مؤثّراً أشدّ التأثير، فربّ امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهنّ في ذلك وخلوّ بعضهنّ منه يؤثّر لا محالة تفاوتاً في محبّة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصاً على إظهار العدل بينهنّ، فلذلك قال ‏{‏ولو حرصتم‏}‏، وأقام الله ميزان العدل بقوله‏:‏ ‏{‏فلا تميلوا كلّ الميل‏}‏، أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة‏.‏ فظهر أنّ متعلّق ‏{‏تميلوا‏}‏ مقدّر بإحداهنّ، وأنّ ضمير ‏{‏تذروها‏}‏ المنصوب عائد إلى غير المتعلّق المحذوف بالقرينة، وهو إيجاز بديع‏.‏

والمعلّقة‏:‏ هي المرأة التي يهجرها زوجها هجراً طويلاً، فلا هي مطلّقة ولا هي زوجة، وفي حديث أمّ زرع «زوجي العَشَنَّق إنْ أنطِقْ أطَلَّقْ وإن أسكُتْ أعَلَّقْ»، وقالت ابنة الحُمَارس‏:‏

إنّ هي إلاّ حِظَةٌ أو تَطليق *** أو صلَف أو بينَ ذاك تَعْليق

وقد دلّ قوله‏:‏ ‏{‏ولن تستطيعوا إلى قوله‏:‏ فلا تميلوا كلّ الميل‏}‏ على أنّ المحبّة أمر قهري، وأنّ للتعلّق بالمرأة أسباباً توجبه قد لا تتوفّر في بعض النساء، فلا يُكلّف الزوج بما ليس في وسعه من الحبّ والاستحسان، ولكنّ من الحبّ حظّاً هو اختياري، وهو أن يَرُوض الزوج نفسه على الإحسان لامرأته، وتحمُّل ما لا يلائمه من خلقها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتّى يحصّل من الألف بها والحنوّ عليها اختياراً بطول التكرّر والتعوّد‏.‏

ما يقوم مقام الميل الطبيعي‏.‏ فذلك من الميل إليها الموصى به في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تميلوا كلّ الميل‏}‏، أي إلى إحداهنّ أو عن إحداهنّ‏.‏

ثم وسّع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله‏:‏ ‏{‏وإن يتفرّقا يغن الله كلاًّ من سعته‏}‏‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏يغن الله كلاَ من سعته‏}‏ إشارة إلى أنّ الفراق قد يكون خيراً لهما لأنّ الفراق خير من سوء المعاشرة‏.‏ ومعنى إغناء الله كلاًّ‏:‏ إغناؤه عن الآخر‏.‏ وفي الآية إشارة إلى أنّ إغناء الله كلاّ إنّما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وكان الله واسعاً حكيماً‏}‏ تذييل وتنهية للكلام في حكم النساء‏.‏